فخر الدين الرازي
165
شرح عيون الحكمة
أما الناصرون لظاهر كلام « المعلم الأول » ( فإنهم ) قالوا : انك إذا قلت : كل جسم مؤلف ، وكل مؤلف محدث . فهذا هو الشكل الأول . وأما إذا قلت : كل مؤلف محدث ، ثم قلت بعده : وكل جسم مؤلف . فهذا هو الشكل الأول . ولا تفاوت بينهما الا بالتقديم والتأخير في محض اللفظ ومجرد العبارة . ومعلوم أن ذلك مما لا تأثير له في الأمور العقلية . وأيضا : فانا سنبين أن الكبرى أقوى المقدمتين في اقتضاء الانتاج . وإذا كان الأمر كذلك ، كان تقديمها أهم وواجب . ثم إذا ثبت هذا الحكم كان اندراج الأصغر تحت الأوسط أمرا سهلا هينا . فثبت : أن تقديم الكبرى على الصغرى يحتمل أن يكون لهذا الفرض - وهو المطلوب - وعلى هذا التقدير وجب أن لا يختلف الحال البتة بسبب هذا التقديم والتأخير . وأما الناصرون « 6 » لظاهر كلام « الشيخ » فما رأيت لهم فيه وجها ، وأنا تكلفت له فيه وجها . فقلت : القياس الطبيعي هو الشكل الأول ، فإنه ينتقل العقل من الأصغر إلى الأوسط ، ومن الأوسط إلى الأكبر . وهذا هو الترتيب الطبيعي . فان أبقينا الصغرى بحالها وعكسنا الكبرى ، فحينئذ يحصل الشكل الثاني . ولأجل هذا فان الشكل الثاني يرتد إلى الأول بعكس الكبرى . وان أبقينا الكبرى بحالها وعكسنا الصغرى حصل الشكل الثالث . ولأجل هذا فان الشكل الثالث يرتد إلى الأول بعكس الصغرى . وأما ان عكسنا الصغرى والكبرى معا ، حصل الشكل الرابع . ويقع الوسط على الطرفين ، ويقع الطرفان في الوسط . فالحاصل : أن التغير عن النظم الطبيعي في الشكل الثاني وفي الشكل الثالث ، ما وقع الا في مقدمة واحدة . أما في هذا الشكل فإنه وقع في كلتى المقدمتين . وهذا هو المراد من قول « الشيخ » : « ان هذا الشكل الرابع انما ترك لتضاعف الكلفة فيه »
--> ( 6 ) الناظرون : ص .